الرئيسيه / الاخبار / فضيلة الشيخ محمود خليل الحصري أحد أشهر قُرّاء القرآن الكريم في العالم الإسلامي

(فضيلة الشيخ محمود خليل الحصري رحمه الله تعالى)
-----------------------------------------------
فضيلة الشيخ محمود خليل الحصري أحد أشهر قُرّاء القرآن الكريم في العالم الإسلامي , وهو أحد أبرز القراء المصريين القدماء , وله العديد من المصاحف المسجلة بروايات مختلفة . وُلد في غرة ذي الحجة سنة 1335 هـالموافق 17 سبتمبر من عام 1917 في قرية شبرا النملة التابعة لطنطا بمحافظة الغربية بمصر. كان والده قبل ولادته قد انتقل من محافظة الفيوم إلى هذه القرية التي ولد فيها. قارئ قرآن مصري أجاد قراءة القرآن الكريم بالقراءات العشر.

نشأته وحياته
==========
انتقل والده قبل ولادته من محافظة الفيوم إلى قرية شبرا النملة، حيث ولد الحصري. أدخله والده الكتاب في عمر الأربع سنوات ليحفظ القرآن وأتم الحفظ في الثامنة من عمره. كان يذهب من قريته إلى المسجد الأحمدى بطنطا يوميا ليحفظ القرآن وفي الثانية عشر انضم إلى المعهد الديني في طنطا. ثم تعلم القراءات العشر بعد ذلك في الأزهر.
أخذ شهاداته في ذلك العلم (علم القراءات) ثم تفرغ لدراسة علوم القرآن لما كان لديه من صوت متميز وأداء حسن. في عام 1944م تقدم إلى امتحان الإذاعة وكان ترتيبه الأول على المتقدمين للامتحان في الإذاعة. في عام 1950م عين قارئا للمسجد الاحمدي بطنطا كما عين في العام 1955م عين قارئالمسجد الحسين بالقاهرة. كان أول من سجل المصحف الصوتى المرتل برواية حفص عن عاصم وهو أول من نادى بإنشاء نقابة لقراء القرآن الكريم، ترعى مصالحهم وتضمن لهم سبل العيش الكريم، ونادى بضرورة إنشاء مكاتب لتحفيظ القرآن في جميع المدن والقرى، وقام هو بتشييد مسجد ومكتب للتحفيظ بالقاهرة. أدرك الشيخ الحصري منذ وقت مبكر أهمية تجويد القرآن في فهم القرآن وتوصيل رسالته، فالقراءة عنده علم وأصول؛ فهو يرى أن ترتيل القرآن يجسد المفردات القرآنية تجسيدًا حيًا، ومن ثَمَّ يجسد مدلولها التي ترمي إليها تلك المفردات...كما أن ترتيل القرآن يضع القارئ في مواجهة عقلانية مع النص القرآني، تُشعر القارئ له بالمسؤولية الملقاة على عاتقه.

زواجه وعائلته
==========
تزوج الشيخ من السيدة الفاضلة ( سعاد محمد الشربينى) عام 1938م، وكانت معظم مسؤوليات التربية تقع على كاهل زوجته بسبب انشغاله بعمله وأسفاره، ويروي أحد أبناءه:" "كان يعطي كل من حفظ سطراً قرش صاغ بجانب مصروفه اليومي وإذا أراد زيادة يسأل ماذا تحفظ من القرآن فإن حفظ وتأكد هو من ذلك أعطاه وقد كانت له فلسفة في ذلك فهو يؤكد دائماً على حفظ القرآن الكريم حتى نحظى برضاء الله علينا ثم رضاء الوالدين فنكافأ بزيادة في المصروف وكانت النتيجة أن ألتزم كل أبنائه بالحفظ وأذكر أنه في عام 1960 م كان يعطينا عن كل سطر نحفظه خمسة عشر قرشاً وعشرة جنيهات عن كل جزء من القرآن نحفظه وكان يتابع ذلك كثيراً إلى أن حفظ كل أبنائه ذكوراً وإناثاً القرآن الكريم كاملاً والحمد لله".

أبناءه
====
وللشيخ الحصري سبعة من الأبناء وهم بالترتيب وفق تاريخ الميلاد:
1- الأستاذ علي رجل أعمال وهو الإبن الأكبر للشيخ الحصري وقد أخذ من الشيخ عذوبة صوته، لكنه لم يسلك عالم القراء. 
2- السيدة 'إفراج' وشهرتها ياسمين وهي ثاني أولده مولدا والبنت الكبرى وهي حاصلة على ليسانس أداب قسم فلسفة وعلم نفس، وقد عملت بعد تخرجها بمجلس الامه (مجلس الشعب) حتى درجة وكيل أول وزارة، وهي الآن ترأس جمعية الشيخ الحصري للخدمات الدينية والاجتماعية.
3- الدكتور (محمد )، وهو طبيب أسنان ، وأخذ عن الشيخ طيبة القلب وحسن المعاشرة للخلق.
4- الأستاذ (السيد) ، وكيل أول وزارة بمجلس الشورى المصري سابقا.وهو أقرب أبناء الشيخ شبها من ناحية الخِلقة.
5- السيدة (شوقية) ، وقد انتقلت إلى الرفيق الأعلى ، عليها من الله سحائب الرحمة.
6- الأستاذ (حسين) ويعمل رجل أعمال.
7- السيدة (إيمان) مدير مراجعة ببنك المصرف العربي.

- ومن أحفاده :
=========
* السيدة (عبير) ليسانس ترجمة فورية جامعة الأزهر.
* السيدة (آية) طبيبة أسنان.
* السيدة (منة) صيدلانية.
* والمهندس (عمر).
* المستشار (أيمن).
* المستشار (سامح).
* والمستشار (أحمد).

بداياته
=====
كان يقرأ القرأن في مسجد قريته، وفي اجتماعات السكان هنالك، وفي عام 1944 تقدم إلى الإذاعة المصرية بطلب كقارئ للقرأن الكريم وبعد مسابقة حصل على العمل وكانت أول بث مباشر على الهواء له في 16 نوفمبر 1944م، استمر البث الحصري له على أثير إذاعة القرآن المصرية لمدة عشرة سنوات.
عين شيخا لمقرأة سيدي عبد المتعال في طنطا. في 7 أغسطس 1948 صدر قرار تعينه مؤذنا في مسجد سيدي حمزة، ثم في 10 أكتوبر 1948 عدل القرار إلى قارئ في المسجد مع احتفاظه بعمله في مقرأة سيدي عبد المتعال. ليصدر بعد ذلك قرار وزاري لتكليفه بالإشراف الفني على مقاريء محافظة الغربية. في 17 إبريل 1949م تم انتدابه قارئا في مسجد سيدي أحمد البدوي في طنطا(المسجدالأحمدي). في عام 1955م انتقل إلى مسجد الإمام الحسين في القاهرة.

محطات في حياته
===========
• 1957م عين مفتشا للمقارئ المصرية.
• 1958م عين وكيلا لمشيخة المقارئ المصرية.
• 1958م تخصص في علوم القراءات العشر الكبرى وطرقها وروايتها بجميع أسانيدها ونال عنها شهادة علوم القراءات العشر من الأزهر الشريف.
• 1959م عين مراجعا ومصححا للمصاحف بقرار مشيخة الأزهر الشريف.
• 1960م أول من ابتعث لزيارة المسلمين في الهند وباكستان وقراءة القرآن الكريم في المؤتمر الإسلامي الأول بالهند في حضور الرئيس الأول بالهند في حضور الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس جواهر لال نهرو وزعيم المسلمين بالهند.
• 1961م عين بالقرار الجمهورى شيخ عموم المقارئ المصرية.
• 1961م أول من سجل المصحف المرتل في أنحاء العالم برواية حفص عن عاصم وظلت إذاعة القرآن الكريم تقتصر على إذاعة صوته منفردا حوالي عشر سنوات.
• 1962م عين نائبا لرئيس لجنة مراجعة المصاحف وتصحيحها بالأزهر الشريف ثم رئيسا لها بعد ذلك.
• 1963م زيارته لدولة الكويت بدعوه من وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية لتلاوت القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك.
• 1964م أول من سجل المصحف المرتل في أنحاء العالم برواية ورش عن نافع.
• 1965م قام بزيارة فرنسا وأتيحت له الفرصة إلى هداية عشرة فرنسيين لدين الإسلام بعد أن سمعوا كلمات الله أثناء تلاوته للقرآن الكريم.
• 1966م عين مستشارا فنيا لشئون القرآن الكريم بوزارة الأوقاف.
• 1966م اختاره اتحاد قراء العالم الإسلامى رئيسا لقراء العالم الإسلامي بمؤتمر اقرأ بكراتشي بباكستان.
• 1967م عين خبيرا بمجمع البحوث الإسلامية لشئون القرآن الكريم (هيئة كبار العلماء) بالأزهر الشريف.
• 1967م حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في عيد العلم.
• 1967م رئيس اتحاد قراء العالم.
• 1968م انتخب عضوا في المؤتمر القومى للإتحاد الإشتراكى عن محافظة القاهرة (قسم الموسكى).
• 1968م أول من سجل المصحف المرتل في أنحاء العالم برواية قالون ورواية الدوري.
• 1969م أول من سجل المصحف المعلم في أنحاء العالم (طريقة التعليم).
• 1970م سافر إلى الولايات المتحدة لأول مرة موفدا من وزارة الأوقاف للجاليات الإسلامية بأمريكا الشمالية والجنوبية.
• 1973م قام الشيخ محمود خليل الحصرى أثناء زيارته الثانية لأمريكا بتلقين الشهادة لثمانية عشر رجلا وامرأة أمريكيين أشهروا إسلامهم على يديه بعد سماعهم لتلاوته القرآن الكريم.
• 1975م أول من رتل القرآن الكريم في العالم بطريقة المصحف المفسر (مصحف الوعظ).
• 1977م أول من رتل القرآن الكريم في أنحاء العالم الإسلامي في الأمم المتحدة أثناء زيارته لها بناء على طلب جميع الوفود العربية والإسلامية.
• 1978م أول من رتل القرآن الكريم في القاعة الملكية وقاعة هايوارت المطلة على نهر التايمز في لندن ودعاه مجلس الشئون الإسلامية إلى المدينتين البريطانيتين ليفر بول وشيفلد ليرتل أما الجاليات العربية والإسلامية في كل منهما.

تسجيلاته للقرآن
==========
• تسجيل المصحف المرتل براوية حفص عن عاصم - 1961م.
• تسجيل المصحف المرتل برواية ورش عن نافع - 1964م.
• تسجيل المصحف المرتل برواية قالون، ورواية الدوري عن ابي عمرو البصري - 1968م.
• تسجيل المصحف المعلِّم - 1969م.
• تسجيل المصحف المفسر (مصحف الوعظ) - 1973م
مؤلفاته
=======
• أحكام قراءة القرآن الكريم.
• القراءات العشر من الشاطبية والدرة.
• معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء.
• الفتح الكبير في الاستعاذة والتكبير.
• أحسن الأثر في تاريخ القراء الأربعة عشر.
• مع القرآن الكريم.
• قراءة ورش عن نافع المدني.
• قراءة الدوري عن أبى عمرو البصري.
• نور القلوب في قراءة الإمام يعقوب.
• السبيل الميسر في قراءة الإمام أبى جعفر.
• حسن المسرة في الجمع بين الشاطبية والدرة.
• النهج الجديد في علم التجويد.
• رحلاتى في الإسلام.

أول من :
====
• 1961 - أول من سجل القرآن برواية حفص عن عاصم.
• 1964 - أول من سجل القرآن برواية ورش عن نافع.
• 1968 - أول من سجل القرآن برواية قالون ورواية الدورى عن أبي عمرو البصرى.
• 1969 - أول من سجل القرآن المعلم (طريقة التعليم).
• 1975 - أول من رتل القرآن بطريقة المصحف المفسر.
• 1977 - أول من رتل القرآن في الأمم المتحدة.
• 1978 - أول من رتل القرآن في القصر الملكي في لندن.
• أول قارئ يقرأ القرآن في البيت الأبيض، وقاعة الكونجرس الأمريكي.

تكريمه
====
• 1967 - وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في عيد العلم.

وفاته
=====
كان حريصا في أواخر أيامه على تشييد مسجد ومعهد دينى ومدرسة تحفيظ بمسقط رأسه قرية شبرا النملة. أوصى في خاتمة حياته بثلث أمواله لخدمة القرآن الكريم وحُفَّاظه، والإنفاق في كافة وجوه البر. توفى مساء يوم الإثنين 16 محرم سنة 1401 هـ الموافق 24 نوفمبر 1980 بعد صلاة العشاء بعد أن امتدت رحلته مع كتاب الله الكريم ما يقرب من خمسة وخمسين عامًا.
**********************************************

وإليكم هذه المواقف التي جمعناها للشيخ الحصري وذكرناها في عملنا الموسوعي (من المواقف الخالدة لعلماء الأزهر الشريف)
==========

(1)
(يقوم بخلع الجبة والقفطان)

الشيخ محمود خليل الحصري من القامات الأزهرية الكبرى، فهو ممن تعلم علوم القراءات في معاهده، وارتقى بالقرآن حتى وصل إلى مكانة شيخ عموم المقارئ المصرية، وهو الطالب النجيب لشيخه الشيخ الضباع وله مؤلفات في قراءات وروايات القرآن الكريم، وصدع بالقرآن في الكونجرس الأمريكي ومقر الأمم المتحدة، ورافق شيوخ الأزهر الأكابر في رحلاتهم إلى البلاد الإسلامية، وهو نموذج لشخص حفظ القرآن فحفظه الله بالقرآن. 
ومما سمعته من كريمته (السيدة ياسمين الحصري) أن والدهم كان صاحب حال مع الله، وأنه كان يوصيهم دائمًا بقضاء حوائج الناس، وذكرت ملمحًا أَبَيْتُ إلا أن يُطرز به كتابنا هذا، فالشيخ كان يهتم بأهل القرآن الكريم، وهو أول من سعى في إنشاء نقابة للقراء، وكان يحزنه أن يرى قارئًا للقرآن يلبس ثيابًا بالية أو غير لائقة، وحدث أكثر من مرة أن يجد من هو واقف على بابه منتظرًا عودته لقضاء حاجة، وعندما يجد الشيخ الحصري رثاثة ثيابه وعمامته يقوم بخلع الجبة والقفطان اللذين يرتديهما ويعطيهما لذلك القارئ أو الشيخ الفقير؛ ويهرول داخلًا إلى صحن بيته بملابسه الخاصة، والتي كان يحرص أن تكون كاسية لجميع بدنه تحسبًا لمثل هذا الموقف.
رحم الله شيخنا الحصري وخلع الله عنه أوزار الدنيا، وألبسه يوم القيامة تاج الوقار بما قدمه لخدمة القرآن وأهل القرآن.

(2)
(صوت يخرج من القلب ليصب في قلوب المستمعين)

سئل الشيخ محمد متولى الشعراوي ذات مرة في حوار تليفزيوني عن رأيه في كل من الشيوخ: محمود خليل الحصري، عبد الباسط عبد الصمد، مصطفى إسماعيل، والشيخ محمد رفعت فقال: إن أردت أحكام التلاوة فهو الحصري، وإن أردت حلاوة الصوت فهو عبد الباسط عبد الصمد، وإن أردت النفس الطويل مع العذوبة فهو مصطفى إسماعيل، وإن أردت هؤلاء جميعًا فهو الشيخ محمد رفعت الذي فضله الله بهذا الصوت، الصوت الذي تجسدت فيه كل معاني القرآن الكريم، صوت يخرج من القلب ليصب في قلوب المستمعين.

(3)
(طويل كأطول من أعظم مأذنة)

حكت لي السيدة الفاضلة إفراج محمود خليل الحصري، وشهرتها (ياسمين الحصري) كريمة شيخ عموم المقارئ المصرية والعالم الأزهري الكبير الشيخ الحصري، طلبني الشيخ الشعراوي لمنزله، فلما شرفت بلقائه قال: «يابنتي لقد رأيت الشيخ الحصري في المنام.. طويل كأطول من أعظم مأذنة.. وهو يقرأ القرآن وهو باسم.. ويقال له: اقرأ وارتقي. فإذا بي أجد نفسى في هذه الرؤيا أقول: اللهم احشرني معه». وفي مرة أخري سألها الشيخ الشعراوي: متى رأيت والدك في المنام؟ فقالت: لم أستطع الرد، خاصة أن والدي في ذلك الوقت قد واراه الثري منذ خمسة عشر سنة. فقال الشيخ الشعراوى: لأنى لم أراه منذ أسبوعين.. وهو متألم لذلك. وتعلق السيدة ياسمين الحصري على هذا السؤال قائلة: إنهم موصولون مع بعضهم البعض حتى بعد مماتهم إلى هذه الدرجة؟!
ونحن نقول بأن الصلة بينهما كانت القرآن، فالأول وهو الشيخ «الحصري» قرأ القرآن بصوت عذب كأفضل ما يكون، والأخر وهو سيدنا الشيخ «الشعراوى» فسر القرآن بفتح من الله عظيم.. فهكذا القرآن يؤلف بين أهله.

(4)
(عسى أن تقع عيينه على آية فيعمل بما فيها!)

حكت لي السيدة الفاضلة إفراج محمود خليل الحصري وشهرتها (ياسمين الحصري) بأن فضيلة الشيخ الحصري كان من عادته أن يعطى لكل زائر لبيته نسخة من المصحف الشريف، ونظرا لكثرة المترددين على منزلنا كان والدنا قد تعاقد مع شركة الشمرلى لطباعة المصحف، وكانت شركة الشمرلى -وهي الشركة الوحيدة لطبع المصحف في هذا الوقت- تقوم بتوريد نسخ من القرآن الكريم حتى أننى كنت أري سيارة الشركة تقوم كل فترة بانزال كميات كبيرة من نسخ المصحف. وتذكر أنها سألته مرة: يا أبتي.. لماذا تعطى لكل من يدخل بيتنا زائرا أوسائلا مصحفا؟فقال الشيخ رد على سؤلها: «يابنتي عسى أن يفتح المصحف مرة فتقع عيينه على آية فيعمل بما فيها».
وتقول السيدة ياسمين الحصري: بعد وفاة الشيخ بسنين وفي رحلة كنت عائدة من فرنسا، وكان الدكتور أحمد كمال أبو المجد يجلس بجوارى وهو يقرأ القرآن في مصحف في يده، وعندما رآنى قال مندهشا: «هل تعلمين بأن المصحف الذي أقرأ فيه الآن هو من إهداء الشيخ الحصري لي».

(5)
(وصار للناس ولع به)

فضيلة الشيخ محمود خليل الحصري علم أزهري كبير، فتح بالقرآن الكريم قلوب الناس، لكن مما لا شك فيه أن تعليمه في الأزهر الشريف أضاف إليه بُعدًا آخر في التبليغ عن الله، خاصة أن الشيخ لم يكن قارئًا فريدًا للقرآن فقط، بل كان عالمًا بالقراءات، وله أحد عشر مؤلفَا في قراءات وروايات القرآن المختلفة، وكانت رحلات الرجل تبرز ملمحًا من ملامح العقل الأزهري، وهو كونه عقلًا راصدًا، ويعد كتابه (رحلاتي في الإسلام) نموذجًا في هذا الصدد.
ومن الأمثلة التي تبرز هذا المعنى: حديث الشيخ الحصري عن الشيخ محمد عبده وأثره في لبنان: «وقد أتاحت له هذه الفرصة أن يبين للبنانيين آنذاك سماحة الإسلام ومبادئه النبيلة، وأهدافه الشريفة، ورسالته المثلى مما وسع انتشار رقعة الإسلام وازدياد الداخلين في زمرته من اللبنانيين»، ونقل الشيخ الحصري كلام الأمير شكيب أرسلان عن أثر وجود محمد عبده في لبنان: «كانت فائدة مقام الشيخ ببيروت عظيمة؛ فإنه ما لبث إلا وقد أصبح منزله بصورة دائمة تقريبًا خاصًّا بالزائرين، الذين كانوا يقصدون إلى حضرته لمجرد الاستفادة من محاضراته، والالتقاط من درره، وصار للناس ولع به، فكنت تراهم يحفظون من كلامه، ويقلدونه في لفظه، ويتابعونه في رأيه، وإن كثيرًا من الأفكار والمبادئ والألفاظ والجمل السائدة الآن في بر الشام هي من بقايا آثار مجالس الشيخ محمد عبده، ولاشك في ذلك». 
هكذا كان النفس الأزهري حاضرًا في لبنان وفي كل بقعة من الوطن العربي والإسلامي، ولعلنا بذكرنا لمثل هذا الكلام نبرز مواقف خالدة لعلماء الأزهر في البلاغ عن الله وهداية الخلق إليه. رحم الله الإمام المجدد محمد عبده، وشيخ المقارئ المصرية محمود خليل الحصري بما قدماه للإسلام، بأن كانا خير سفراء لمعهد الإسلام الخالد -الأزهر الشريف- والذي يؤكد التاريخ على أن من ينتسب إليه -يقصد الأزهر الشريف- يحوز كل فخر وتشريف.

(6)
(فتراجعت روسيا عن مطلبها)

في عام 1970سافر فضيلة الإمام الأكبر محمد محمد الفحَّام -شيخ الأزهر الأسبق- إلى الاتحاد السوفيتي السابق؛ موفدًا من رئاسة الجمهورية لزيارة الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي: أوزبكستان، وطاجيكستان؛ وكانت هذه الزيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول ديني إسلامي للدولة الشيوعية. وعند منحه تأشيرة الدخول اشترطت الحكومة الروسية أن يشمل برنامجُ الرحلة زيارةَ مقبرة لينين؛ مؤسس الدولة الشيوعية، فرفض الإمام الفحام؛ لأنه رأى في هذه الزيارة إهانة للمسلمين الذين اضطهدتهم الحكومة الشيوعية، وأمام تمسك الروس بفرض هذه الزيارة قرر الإمام الفحام إلغاء السفر، فتراجعت روسيا عن مطلبها حفاظًا على العلاقات؛ التي كانت ترغب في الاحتفاظ بها مع العالم الإسلامي، وبالتالي اقتصرت الزيارة على الجمهوريات الإسلامية فقط لدراسة أحوال المسلمين. 
وكان الإمام الأكبر الدكتور محمد الفحَّام هو أول شيخ للأزهر يزور هذه البلاد، وقد نظمت له استقبالًا رسميًّا عظيمًا، ولقيت الزيارة ترحيبًا شعبيًّا منقطع النظير، واطلع على أحوال المسلمين، وعقد العديد من اللقاءات، وزار المساجد؛ حيث كان القارئ الشيخ محمود خليل الحصري -الذي كان يرافقه في تلك الزيارة- يتلو آيات الذكر الحكيم، وقد تأثر الإمام الأكبر ببكاء المصلين وهم يستمعون لهذه التلاوات، وأهدى للمساجد والمدارس مجموعات من المصاحف والكتب الدينية؛ التي كانت قد حرمتهم منها الدولة الشيوعية.

(7)
(هو أنصح منك لأنه يريد أن يأخذ أجره من الله)

حكت لي السيدة الفاضلة ياسمين الحصري: أن والدها كان في زيارة للكويت في خمسينات القرن الماضي -العشرين- فوجد مصحفًا مطبوعًا طبعة فخمة جدًّا ويباع بسعر زهيد، فسُرَّ به سرورًا شديدًا، وعندما بدأ يتصفح المصحف وجد هناك تحريفًا شديدًا، وأعطت مثلًا على هذا التحريف بأنه في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: 64] وجد غين (غُلَّتْ) المضمومة كتبت عينًا مفتوحة فأصبحت (عَلت) وغير ذلك كثير. 
فحزن الشيخ الحصري لهذا التحريف المتعمد، فأُلقي في صدره أن يسجل القرآن بصوته حتى يُحفظ مسموعًا كما حفظ مسطورًا.
وقدَّر الله بأن تطلب الإذاعة تسجيل القرآن الكريم، واختارت ثلاثة من كبار القراء لهذه المهمة، على أن يسجل كل شيخ ثلث القرآن بصوته، وقام الشيخ بتسجيل الثلث الخاص به، وحدث خلاف مع الشيخين الآخرين فلم يسجلا القرآن، فقام الشيخ الحصري بتكملة تسجيل القرآن كاملًا، وكان الوزير أحمد طعيمة -وزير الأوقاف حينها- قد أكد على أن الرئيس جمال عبد الناصر أراد أن يكون القرآن مسجلًا لتنطلق به الإذاعة في ذكرى الاحتفال بعيد ثورة يوليو، وذلك سنة 1960م، ورفض الشيخ الحصري أن يتقاضى أجرًا على تسجيله المصحف، فشكى وزيرُ الأوقاف الشيخَ الحصري لغير واحد؛ لعدم أخذه أجرًا على تسجيله، فكان الرد: «هو أنصح منك؛ لأنه يريد أن يأخذ أجره من الله». 
وتذكر السيدة ياسمين الحصري بأنه عندما دخلت مكبرات الصوت في الحرم المكي والحرم المدني دعت المملكة العربية السعودية الشيخ الحصري ليكون -رحمه الله- من أوائل من قرأ القرآن في الحرم بمكبرات الصوت، وإن كان قد قرأ القرآن قبل ذلك في الحرم مرات عديدة قبل مكبرات الصوت، وكانت المملكة العربية السعودية تجله، وأصدرت قرارًا بأن الشيخ كلما حلَّ في المملكة يجوز له القراءة في الحرمين طوال حياته.

هذه المواقف نقلا عن كتاب: (من المواقف الخالدة لعلماء الأزهر الشريف) للشيخ أحمد ربيع الأزهري
الناشر: كشيدة للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى ،2017م.

التعليقات

    • لا توجد محتويات لهذا المحتوى

    ارسال تعليق